في حوار خاص مع الكاتبة الصحفية سالي حجازى لأوجست نيوز
كتبت: سالي حجازي
في السياسة، لا تنتهي العلاقات بالضرورة بانتهاء المناصب، ولا تختفي التفاصيل الإنسانية لمجرد أن صفحة سياسية كاملة أصبحت جزءًا من التاريخ. وبينما لا تزال فترة حكم الرئيس الراحل محمد حسني مبارك محل نقاش وجدل واسع في مصر، تظهر بين الحين والآخر شهادات من مسؤولين عاصروا تلك المرحلة من داخل مؤسسات الدولة، لتكشف جانبًا آخر من العلاقات التي لم تكن تُرى دائمًا من خارج دوائر الحكم.
ومن بين هذه الشهادات ما يرويه اللواء سمير فرج عن علاقته بالرئيس الراحل حسني مبارك؛ علاقة يقول عنها في تصريحات سابقة إنها كانت تقوم على التقدير والقرب المهني، حتى مع اختلاف تقييم المراحل والسياسات.
واللافت أن الحديث عن هذه العلاقة عاد إلى الواجهة في الأسابيع الأخيرة، بعدما أدلى سمير فرج بتصريحات جديدة حول أداء الاقتصاد المصري خلال عهد مبارك، مؤكدًا في الوقت نفسه أنه يكن للرئيس الراحل تقديرًا شخصيًا كبيرًا. وقد أثارت التصريحات ردًا من علاء مبارك، نجل الرئيس الراحل، لتعود بذلك العلاقة بين سمير فرج ومبارك إلى دائرة النقاش العام، ولكن هذه المرة من زاوية مختلفة تجمع بين الشهادة الشخصية والتقييم السياسي.
سمير فرج ومبارك.. علاقة بدأت من داخل مؤسسات الدولة
كان اللواء سمير فرج واحدًا من المسؤولين الذين عملوا في مواقع مختلفة داخل مؤسسات الدولة، كما تولى في وقت سابق منصب محافظ الأقصر، إلى جانب عمله مديرًا لإدارة الشؤون المعنوية بالقوات المسلحة.
ومن الطبيعي أن تترك سنوات العمل داخل مؤسسات الدولة علاقات وذكريات لا تختزل في القرارات السياسية وحدها. وهذا ما يظهر في شهادات سمير فرج عن الرئيس مبارك، حيث تحدث في مناسبات مختلفة عن لقاءاته به، وعن مساحة الحوار التي كانت متاحة بينهما.
وفي إحدى الشهادات التي نقلتها وسائل إعلام مصرية عام 2020، تحدث سمير فرج عن حوار دار بينه وبين مبارك أثناء وجوده معه في سيارة خلال زيارة للرئيس الراحل إلى الأقصر، عندما كان فرج محافظًا للأقصر. وقال إنه تحدث مع مبارك بصورة مباشرة عن قضية التوريث، موضحًا أن الرئيس الراحل سمح له بمصارحته بشأن ما كان يشغل الرأي العام المصري آنذاك.
هذه الرواية تحديدًا تكشف جانبًا مهمًا من طبيعة العلاقة التي يتحدث عنها فرج؛ فهو لا يقدمها فقط باعتبارها علاقة بين مسؤول ورئيس، وإنما باعتبارها علاقة سمحت، بحسب روايته، بمساحة من النقاش المباشر.
18 حلقة عن حياة مبارك.. شهادة أخرى على طبيعة العلاقة
ومن أكثر التفاصيل اللافتة التي تحدث عنها سمير فرج في سنوات سابقة، قيامه بتسجيل حلقات تتناول قصة حياة الرئيس الأسبق حسني مبارك.
وبحسب تصريحات نقلتها «بوابة الأهرام» و«المصري اليوم»، قال فرج إنه سجل 18 حلقة عن حياة مبارك، بإجمالي نحو 54 ساعة، وأن التسجيلات تمت عام 1998 بناءً على طلب الرئيس الأسبق نفسه، وأن مبارك احتفظ بهذه التسجيلات.
وتكشف هذه الواقعة، بصرف النظر عن مضمون التسجيلات التي لم تُنشر كاملة، عن مستوى من الثقة الشخصية والمهنية بين الطرفين في تلك الفترة.
لكن الأهم أن فرج نفسه أكد في تصريحاته السابقة أنه لا يعتبر تلك التسجيلات ملكًا له، وأنه يحترم ما قيل فيها ولا يرى من حقه نشر تفاصيلها دون موافقة صاحبها.
وهنا تظهر مرة أخرى فكرة أساسية في قراءة علاقة سمير فرج بمبارك: العلاقة لم تكن، بحسب شهاداته، قائمة فقط على التسلسل الوظيفي، وإنما امتدت إلى مساحة من الثقة الشخصية والحوار المباشر.
هل التقدير الشخصي يعني الاتفاق السياسي؟
ربما تكون هذه هي النقطة الأكثر أهمية في إعادة قراءة تصريحات سمير فرج.
فالتقدير الشخصي لشخصية سياسية لا يعني بالضرورة الاتفاق مع جميع سياساتها، كما أن انتقاد بعض قرارات رئيس أو مرحلة سياسية لا يعني بالضرورة إنكار العلاقات المهنية والإنسانية التي جمعت المسؤولين بها.
وهذا المعنى ظهر بوضوح في تصريحات سمير فرج الأخيرة التي تناول فيها الاقتصاد خلال عهد مبارك.
ففي تصريحات نُشرت خلال يوليو 2026، قال فرج إن مصر أمضت 30 عامًا في عهد مبارك دون الاقتراب بالشكل الكافي من ملف الإصلاح الاقتصادي، ورأى أن الرئيس عبد الفتاح السيسي تعامل لاحقًا مع مشكلات تراكمت على مدى سنوات. لكنه في الوقت نفسه قال بوضوح إنه ليس ضد مبارك، وإنه يحبه ويعتبره رجلًا عظيمًا، مع تأكيده أن لكل شخص ما له وما عليه.
وهذه النقطة تحديدًا مهمة؛ لأنها تفصل بين الرأي في أداء مرحلة سياسية وبين الموقف الشخصي من شخص عاصرها.
فقد يرى شخص أن رئيسًا سابقًا أخطأ في ملف اقتصادي أو سياسي، وفي الوقت نفسه يحتفظ له بتقدير شخصي أو مهني بسبب تجربة جمعته به.
تصريحات سمير فرج الأخيرة تعيد مبارك إلى النقاش
لم تمر تصريحات سمير فرج الأخيرة بشأن الاقتصاد دون رد.
فقد رد علاء مبارك، نجل الرئيس الراحل، على ما وصفه بتصريحات غير صحيحة بشأن أداء والده الاقتصادي، معتبرًا أن الحديث عن أسباب التضخم وارتفاع الأسعار يحتاج إلى النظر في عوامل أخرى، من بينها تغير سعر صرف الجنيه وتطورات الديون والدعم خلال السنوات التي تلت عام 2011.
وهكذا انتقل النقاش من مجرد شهادة شخصية عن مبارك إلى جدل أوسع حول تقييم الإرث الاقتصادي للرئيس الراحل.
وهنا يصبح من الصعب اختزال المسألة في سؤال بسيط من نوع: هل كان مبارك جيدًا أم سيئًا؟
فالمرحلة التي امتدت لنحو ثلاثة عقود تحمل ملفات كثيرة ومتباينة، من الاقتصاد إلى السياسة الخارجية، ومن إدارة الدولة إلى الحياة الحزبية والاجتماعية، ومن الإنجازات التي يراها مؤيدو المرحلة مهمة إلى الانتقادات التي يطرحها معارضوها.
ولهذا فإن شهادة مسؤول عاصر تلك الفترة يمكن أن تكون جزءًا من النقاش، لكنها لا يمكن أن تكون وحدها الحكم النهائي على ثلاثين عامًا من تاريخ مصر.
بين مبارك والسيسي.. كيف يقرأ سمير فرج المرحلتين؟
في حديثه عن المرحلة الحالية، عبّر سمير فرج في مناسبات مختلفة عن تقديره لعدد من السياسات التي اتخذها الرئيس عبد الفتاح السيسي، وخصوصًا ما يتعلق بتطوير القوات المسلحة ومشروعات البنية الأساسية والإصلاح الاقتصادي.
وفي حوار سابق مع «بوابة الأهرام» عام 2021، تحدث فرج بإيجابية كبيرة عن الإصلاح الاقتصادي خلال عهد السيسي، وربطه بقرارات تتعلق بالدعم والأسعار وإعادة هيكلة الاقتصاد.
كما سبق أن تناول في تصريحات إعلامية مختلفة قضايا تتعلق بالتسليح وتطوير القوات المسلحة والمشروعات القومية.
لكن مقارنة حديثه عن السيسي بحديثه عن مبارك تكشف شيئًا آخر: أن تقييم الشخصيات السياسية قد يتغير بحسب المرحلة التي يتحدث عنها الشخص، وبحسب موقعه وتجربته والملفات التي تعامل معها.
وهذا لا يعني بالضرورة وجود تناقض.
فالمسؤول الذي عمل داخل مؤسسة الدولة خلال فترة معينة قد يرى بعض إيجابياتها وسلبياتها من زاوية مختلفة عن المواطن أو الباحث أو المعارض السياسي.
مبارك كما رآه من اقترب منه
ربما يكون الجانب الأكثر إثارة للاهتمام في شهادة سمير فرج هو أنه يتحدث عن مبارك من موقع شخص اقترب منه مهنيًا.
فقد روى فرج في مناسبات سابقة مواقف وحوارات جمعته بالرئيس الراحل، من بينها الحوار المتعلق بالتوريث، كما تحدث عن تسجيل مذكراته في 18 حلقة.
وفي حديثه عن حرب أكتوبر، سبق أن أوضح أيضًا أن مبارك كان موجودًا وقت الحرب في مقر قيادة القوات الجوية، وليس في غرفة عمليات القيادة العامة، مؤكدًا أن ذلك لا ينتقص من دوره العسكري في الحرب، وإنما يتعلق بموقعه ومسؤولياته في ذلك الوقت.
هذه التفاصيل مهمة لأنها توضح طبيعة الشهادة التي يقدمها فرج: فهو لا يتحدث عن مبارك كشخصية سياسية من بعيد، وإنما يستند في جانب من حديثه إلى خبرة شخصية ومهنية امتدت لسنوات.
لكن ذلك لا يعني أن كل ما يقوله يصبح حقيقة تاريخية بمجرد صدوره؛ فالشهادة الشخصية تظل بحاجة إلى المقارنة مع الوثائق والشهادات الأخرى.
زيارة مبارك بعد خروجه من الحكم.. ماذا نعرف؟
ومن أكثر النقاط التي تستوقف المتابعين ما يتعلق بما يُقال عن زيارة سمير فرج للرئيس مبارك خلال فترة احتجازه بعد خروجه من الحكم، والتي أشير في الرواية المتداولة إلى أنها تكررت أربع مرات.
وهنا تحديدًا يجب أن تكون المعالجة الصحفية أكثر حذرًا.
فحتى الآن، لم نعثر في المصادر التي راجعناها على توثيق مستقل واضح يكفي للجزم بتفاصيل هذه الزيارات وعددها. ولذلك لا يصح تقديم رقم «أربع زيارات» باعتباره حقيقة نهائية دون الاستناد إلى شهادة مباشرة موثقة أو مصدر رسمي أو مقابلة واضحة تتناول الواقعة بالتفصيل.
والأكثر مهنية أن يقال إن هناك رواية متداولة بشأن هذه الزيارات، لكنها تحتاج إلى توثيق مباشر.
وهذا ليس تقليلًا من قيمة الرواية، بل هو بالضبط ما يقتضيه العمل الصحفي عندما يتعلق الأمر بشخصيات سياسية بارزة ووقائع جرت في فترة شديدة الحساسية.
هل اختلاف الرأي حول مبارك يلغي شهادات من عاصروه؟
الإجابة ببساطة: لا.
لكن في الوقت نفسه، لا ينبغي أن تتحول شهادة أي مسؤول سابق إلى رواية وحيدة للتاريخ.
فمن حق من عاصر مبارك أن يروي تجربته معه، ومن حق الآخرين أن يناقشوا هذه الشهادة ويقارنوها بما لديهم من وثائق وشهادات ووقائع.
وبالمثل، فإن انتقاد فترة حكم مبارك حق مشروع في النقاش العام، كما أن الحديث عن بعض الجوانب الإيجابية أو العلاقات الإنسانية والمهنية التي جمعت المسؤولين بالرئيس الراحل لا يجب أن يتحول تلقائيًا إلى دفاع عن كل سياسات تلك الفترة.
التاريخ أكثر تعقيدًا من ذلك.
فالشخص نفسه يمكن أن تكون له مواقف إيجابية في ملف، وأخرى محل انتقاد في ملف آخر. والرئيس نفسه يمكن أن تكون له قرارات يراها البعض ناجحة وقرارات أخرى يراها آخرون إخفاقًا.
«الرأي لا يجب أن يتحول إلى اتهام»
الجدل الذي أثارته تصريحات سمير فرج الأخيرة يوضح أهمية التمييز بين الرأي والاتهام.
عندما يقول مسؤول سابق إنه يرى أن سياسة اقتصادية معينة كانت تحتاج إلى التغيير في فترة سابقة، فهذا رأي يمكن مناقشته بالأرقام والوثائق. وعندما يقول في الوقت نفسه إنه يحب مبارك ويقدره، فهذا موقف شخصي يمكن فهمه في إطار العلاقة التي يقول إنه عاشها معه.
لكن تحويل الخلاف إلى اتهامات شخصية لا يخدم النقاش.
الأفضل هو أن تُطرح الأسئلة: ماذا حدث فعلًا؟ ما القرارات التي اتخذت؟ ما نتائجها؟ وما الظروف التي أحاطت بها؟
وبهذه الطريقة يصبح النقاش أكثر فائدة للقارئ، بدل أن يتحول إلى سجال سياسي بين مؤيد ومعارض.
شهادة من داخل الدولة.. لكنها ليست الرواية الوحيدة
شهادات الشخصيات التي عملت داخل مؤسسات الدولة تظل مهمة للغاية لفهم التاريخ الحديث، خصوصًا عندما تأتي من أشخاص كانوا قريبين من الأحداث وصناع القرار.
لكن أهمية هذه الشهادات لا تعني التعامل معها باعتبارها وثائق نهائية.
فالمسؤول يرى الأحداث من موقعه، وقد تتأثر ذاكرته بالسنوات التي مرت وبطبيعة علاقاته بالأشخاص الذين تعامل معهم، بينما يرى الباحث والمؤرخ الأحداث من خلال الوثائق والمصادر المتعددة.
ولهذا فإن أفضل قراءة لتاريخ مصر الحديث هي التي تجمع بين شهادات المسؤولين، والوثائق الرسمية، والمذكرات، والتغطيات الصحفية، وشهادات المعاصرين، ثم تترك للقارئ مساحة لتكوين رؤيته.
بين الإنسان والسياسي.. تبقى العلاقة الشخصية حاضرة
في النهاية، ربما يكون الجانب الأكثر إنسانية في قصة سمير فرج ومبارك هو أن العلاقة بين الأشخاص لا تختفي بالضرورة عندما تنتهي السياسة.
يمكن لمسؤول أن ينتقد قرارًا اتخذه رئيس عمل معه، وفي الوقت نفسه يحتفظ له بمكانة شخصية.
ويمكن لشخص أن يختلف سياسيًا مع مرحلة كاملة، لكنه لا ينكر أن أحد رموزها قدم له شيئًا على المستوى المهني أو الإنساني.
وهذا تحديدًا ما يجعل شهادات من عاصروا مبارك مثيرة للاهتمام؛ لأنها تضيف إلى الصورة العامة تفاصيل لا تظهر دائمًا في الكتب أو البيانات الرسمية.
أما الحكم النهائي على فترة مبارك، وعلى سياساتها وقراراتها ونتائجها، فهو موضوع أكبر من شهادة شخص واحد.
التاريخ لا يكتبه صوت واحد
في نهاية المطاف، تظل علاقة سمير فرج بالرئيس الراحل حسني مبارك مثالًا على أن قراءة التاريخ لا يمكن أن تعتمد على زاوية واحدة.
فمن ناحية، هناك شهادات شخصية ومهنية تتحدث عن علاقة امتدت لسنوات، وعن مساحة من الثقة والحوار بين الرجلين. ومن ناحية أخرى، هناك أسئلة سياسية واقتصادية لا تزال محل نقاش، وتحتاج إلى الوثائق والأرقام والشهادات المتعددة.
وقد أعادت تصريحات سمير فرج الأخيرة هذه المسألة إلى الواجهة، خصوصًا بعد الرد الذي صدر عن علاء مبارك بشأن تقييم والده اقتصاديًا.
وفي النهاية، لا ينبغي أن يتحول اختلاف المصريين حول مبارك أو أي رئيس آخر إلى محاولة لإسكات الشهادات المختلفة. الأهم هو أن تُعرض الشهادة بوضوح، وأن تُنسب إلى صاحبها، وأن تُفصل عن الحقائق التي تحتاج إلى إثبات مستقل.
فالتاريخ لا يكتبه صوت واحد، ولا تصنعه رواية واحدة. بل يتشكل من الشهادات والوثائق والوقائع وتعدد وجهات النظر.
وربما يكون هذا هو الجانب الأهم في إعادة قراءة علاقة سمير فرج بمبارك: ليس البحث عن إجابة جاهزة، وإنما محاولة فهم مرحلة كاملة من تاريخ مصر من خلال عيون من عاشوا تفاصيلها عن قرب.
حوار خاص – أوجست نيوز

.jpg)
.jpg)